الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

509

مرآة الحقائق

فادعاء نبوة بعضهم خرق الإجماع ؛ بل ردّ للنص ، وكفر بالتنزيل ، عصمنا اللّه وإياكم من سوء الفهم ، وقلة العقل ، والكشف السفلي . ثم إن معنى اتصال الولاية : ظهور نور الحقيقة في مرآة علي رضي اللّه عنه أكثر من ظهوره في غيره ، إذ لا يخفى أن كل واحد من الأولياء ؛ بل من الكائنات محتمل نوره صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ « لكن أين السهى من الزبرقان ؛ وهو من يوح « 1 » » . وفيه إشارة بأن كل من هو أقوى اتصالا به صلّى اللّه عليه وسلّم في ولايته ؛ كان أشد تأييدا لدينه ؛ لكمال الراجح ، ودعائه البالغ ، وندائه القاصي ، وظهر من هذا التقرير أن قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « فاطمة بضعة مني » « 2 » ؛ إنما أراد به كونها قطعة من بشريته وجسمانيته ، وإن كان مشعرا بفضلها في الجملة إذ لا كلام في كمالها في نفسها على ما دلّ عليه بعض الأحاديث الصحيحة . وأمّا الحديث الثاني : فمعناه أنا أبو هذه الأمة كما دلّ عليه قوله تعالى : وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ [ الأحزاب : 6 ] ، فإذا انتقلت أنا من هذا الموطن ؛ فأنت أبو هذه الأمة بطريق الخلافة ، والإرث الحقيقي ، إذ لا يجتمع صديقان وقطبان في زمان واحد ؛ لأن اللّه تعالى فرد في اسمه الأعظم . وأشار بتخصيص أبوة علي بالذكر مع أنه الخلفاء الحقيقيين المتسلسلة كلهم آباء الأمة ، كما أن أزواجهم أمهاتهم إلى أن أبويته أبوة كاملة ؛ ولذا لم يكن طريق من الطرق الحقة إلا وقد كانت مغربة ومنتهية إليه ، فهو رضي اللّه عنه مصدر جميع الأسرار ، ومنحة جملة الأطوار ، ومطلع عموم الأنوار ، وأول طالع يدا بالإشراق من مطلع الولاية ، وأول لامع أخذ بالإضاءة من شرق الهداية ، وكان له نهاية إضافية هو الختم المكتوم ، ونهاية حقيقية الختم المعلوم ، والكل نور على نور ، وسرّ مقسوم . أمّا الحديث الثالث : فمعناه : إن فاطمة رضي اللّه عنها ، وإن كانت أحب إليه صلّى اللّه عليه وسلّم من علي كرم اللّه وجهه ؛ لكن حبه لها لا يستلزم عزّتها في نفسها ؛ لأن ذلك يرجع في الحقيقة إلى البشرية والطين ، وإن كان لها كمال ظاهر في الدين ، وأمّا علي

--> ( 1 ) السهى : اسم نجم خفي ، والزبرقان : القمر ، ويوح : اسم من أسماء الشمس . ( 2 ) رواه البخاري ( 3 / 1346 ) ، ومسلم ( 4 / 193 ) .